سمّيت منطقة  السلطان أحمد في إسطنبول بهذا الاسم نسبة إلى السلطان أحمد الأول الذي  ولد في عام 1590 بمدينة مانيسا في منطقة إيجة، والده السلطان محمد الثالث، ووالدته هاندان خاتون، وتوفي السلطان في عام 1617، ودفن في ضريح بالقرب من مسجد السلطان أحمد في إسطنبول.

وتتميز المنطقة الأثرية والسياحية بالجوامع والكنائس والمطاعم والحدائق والمتاحف، ومن أشهرها مسجد السلطان أحمد أو “الجامع الأزرق”، ومنطقة وميناء “إمينونو”، والسوق المصري، والسوق المغلق، ويزورها يوميا حوالي 2 مليون زائر، سواء من المواطنين الأتراك أو السياح الأجانب.

وشهدت الساحة الثلاثاء الماضي انفجارا هز المنطقة بأكملها، وقع الانفجار بالقرب من جامع السلطان أحمد، نجم عنه عشرات القتلى والمصابين من السياح الأجانب، وعلى الفور طوّقت الشرطة التركية المكان، وتوافدت الطواقم الطبية، وتم التعرف على منفذ الهجوم، وما زالت التحقيقات مستمرة للكشف عن هوية الجناة الباقين.
س2

وفي هذا التقرير، نلقي الضوء على منطقة السلطان أحمد بإسطنبول لإبراز أهم معالمها السياحية والأثرية، وأهميتها التاريخية، التي تجعلها قبلة السياح لزيارتها والاستمتاع بجمالها الخلاب، وعن السلطان أحمد الأول، الذي سميت المنطقة باسمه.

من هو السلطان أحمد الأول؟
هو أحمد بن الخليفة محمد بن مراد أحد خلفاء الدولة العثمانية. ولد عام (998هـ) وتولى الحكم عام (1012هـ) بعد وفاة والده، ولم يتجاوز عمره الرابعة عشر، حدثت في عهده عدة حركات ضد الدولة مثل: حركة جان بولاد الكردي ولكن الجيوش العثمانية هزمته ففر إلى إيطاليا، وتميّز هذا العهد في جملته بالتوفيق والسلامة لولا ما شابه من استمرار الانكشارية في تمرّدهم، وكان السلطان أحمد رجلا تقيّا حسن النية، بذل جهده لتقوية الدولة.

في “مانيسا” غربي تركيا كان مولد أحمد الأول في (12 جمادى الآخرة 998هـ = 18 أبريل 1590م)، ونشأ في حجر أبيه محمد الثالث، الذي لم يكن قد تولّى خلافة الدولة. وبعد نحو خمس سنوات تولَّى محمد الثالث الحكم خلفا لأبيه مراد الثالث، ودامت سلطنته تسع سنوات، وكان مثقفا ثقافة عالية، وله ديوان شعر.

وقد عُني بتربية ولده أحمد وإعداده ليكون أهلا لتحمل تبعات الخلافة الجسيمة، وعيّنه في ولاية العهد وهو في الثانية عشر من عمره، ولم يمكث أحمد في ولاية العهد سوى عام ونصف العام؛ إذ توفّي أبوه السلطان محمد الثالث وتولى هو الخلافة من بعده، وهو في الرابعة عشر من عمره.

تولّى أحمد الأول السلطنة ولم يكن قد مارس إدارة الدولة، أو خرج لجبهات القتال، لكنه حاول أن يعمل ما وسعه الجهد في حماية مصالح الدولة التي كانت تمر بأزمة عنيفة، فقد كانت الدولة مشتبكة في قتال مع النمسا، والدولة الصفوية تتربص بها الدوائر.

سن السلطان أحمد الصغيرة، كانت من بين الأسباب التي أدّت إلى تعرض الدولة إلى اضطرابات داخلية، غير أنه ما لبث أن أظهر جلدا وحزما، وعمل بجدية في إدارة شؤون الدولة، ولم يترك كل شيء لوزرائه، وحاول جاهدا حماية مصالح الدولة، وامتاز- إلى جانب ذلك- بأنه كان متديّنا، معتدلا في مظهره، شاعرا، فارسا، يستخدم السلاح بمهارة.

أهم ما تتميّز به منطقة السلطان أحمد
منطقة وميناء “إمينونو”
تعتبر منطقة وميناء “إمينونو”، واحدة من أكبر المتاحف المفتوحة في الهواء الطلق في تركيا، كانت قلب مدينة “القسطنطينية” المسورّة على مدى تاريخ طويل، وتتبع حاليا حي الفاتح، تعبر جسر القرن الذهبي إلى إمينونو، وتصل مضيق البوسفور إلى بحر مرمرة، ومنه تطل على قصر توب كابي، وجامع السلطان أحمد، وآيا صوفيا.. باختصار “إمينونو” هي الوجهة السياحية الرئيسية في إسطنبول.

س4

يمر  مليونا شخص  كل يوم تقريبا في إمينونو، من موظفين وسياح من داخل إسطنبول وخارجها، لا سيما في أيام الصيف، وأيام الجو المعتدل، ويقطن الحي 30,000 نسمة، وسميت هذه المنطقة بهذا الاسم، لوقوع الجمارك البحرية، وأمانة الجمارك فيها في العصر العثماني، وكلمة “إمينونو” تعني (أمام الأمين)، أي أمام الأمانة الخاصة بالجمارك، وكانت هذه المنطقة مع منطقة الفاتح مركز إسطنبول في مطلع عصر الجمهورية الحديثة.

كما أن ميدان “إمينونو” يزخر بالجمال والتاريخ والتقاليد العريقة، وتستحوذ المنطقة على العديد من المساجد، والمباني التاريخية، وفيها أشهر المعالم في إسطنبول، ويقع فيها جامع السلطان أحمد، الذي يحتوي على قصر توب كابي (أي قصر الباب العالي)، ومسجد آيا صوفيا، وآيا إيريني، بالإضافة إلى حوالي ألف مَعْلم آخر بهندسته المعمارية العثمانية المتميزة، ويقع فيها أيضا يني جامع -المسجد الجديد-، المسجد الذي يهيمن على الواجهة البحرية لجسر غالاطا، وتوجد مساحة مفتوحة واسعة أمامها يطعم الناس فيها الحمام.

ويعد يني جامع من أشهر 25 جامعا في إسطنبول، بُني في عام 1597م، بأمر من صفية، والدة السلطان محمد الثالث، وتم الانتهاء منه عام 1663م، بأمر من تورهان هاتيجة، والدة السلطان محمد الرابع، مما جعله جزءا من تقليد معماري، وتتميز أمينونو بوجود البازار الكبير، وهو من أكبر وأقدم البازارات في العالم.

ومن أهم وأبرز معالم ميدان “إمينونو” هي المطاعم الشعبية الجميلة والمتنوعة، واشتهر الميدان تاريخيا ببيع الأسماك المشوية الطازجة، حيث تكثر فيه محلات صغيرة، عبارة عن أكشاك تبيع الأسماك المشوية، وكذلك توجد قوارب متوسطة، وكبيرة الحجم، تصطف على جانبي المضيق لشواء الأسماك، وعلى هذه المطاعم إقبال كبير من الأتراك والسياح الذين يقصدون هذه المنطقة.

ويعد ميناء إمينونو من أشهر موانئ العبّارات في إسطنبول وتركيا، فعبّاراته تصل إلى العديد من الوجهات في الجانب الآسيوي من المدينة، كما تخرج من هذا الميناء عبّارات ورحلات خاصة إلى مضيق البوسفور، وتتوفر فيه مراكب خاصة، يمكن استئجارها من ميناء إمينونو، للقيام بجولات في مضيق البسفور، وأماكن أخرى في بحر مرمرة، حيث تقوم بعض المكاتب السياحية في المدينة، بالتنسيق مع أصحاب هذه المراكب، من أجل تأجيرها للمجموعات السياحية، أو العائلات الكبيرة التي تبحث عن الخصوصية.
الجامع الأزرق، أو “السلطان أحمد”
تزيّن ساحة جامع السلطان أحمد سجادة التوليب الأكبر في العالم، التي تتألف من 545 ألف زهرة، وتبلغ مساحتها ألفا و 262 مترا مربعا، والجامع مذهل بحجمه، ورائع بتصميمه وفخامته، ويُعد من أجمل المساجد ليس فقط في تركيا، وإنّما في العالم الإسلاميّ كلّه، ويحظى بإعجاب واهتمام الكثير من الأتراك ومن السيّاح العرب والأجانب، ويعرف أيضا بالجامع الأزرق، ويقع في ميدان السّلطان أحمد (Sultanahmet)  في البلدة القديمة، جنوب متحف آيا صوفيا وشرق ميدان الخيل البيزنطيّ (هيبودروم).

وبالرغم من كونه من أهم و أجمل وأشهر مراكز الجذب السياحي في إسطنبول، بل في تركيا بأكملها, فهو أيضا مسجد نشط يضج بحركة المصلين في أوقات الصلوات الخمس وصلاة الجمعة وصلاة التراويح في شهر رمضان المبارك.

بني هذا المسجد المشهور بعظمته ومهابته بين عامي 1018 ـ 1020 هـ / 1609 ـ 1616 م بعد أن طلب السلطان أحمد الذي استلم الحكم بعد وفاة السلطان العثماني محمد الثالث بن مراد الثالث عام 1603 من المهندس محمد فاتح آغا تلميذ المعماري الأشهر سنان باشا ببناء مسجد ومجمع إسلامي في عاصمته تقليدا لأسلافه الذين سبقوه.
لكن السلطان أحمد أراد من مسجده أن يكون الأعظم و الأكبر في البلاد فجعله مطلّا على مضيق البوسفور ومقابلا لكنيسة آيا صوفيا التي تحوّلت إلى مسجد وحاليا إلى أشهر متحف في إسطنبول, وقد أتم بناءه قبل وفاته بسنة واحدة فقط ليوارى جثمانه الطاهر في كنف مسجده .

س6

لم يقتصر المسجد على قاعة للصلاة فحسب بل تحيط به مدرسة للتعليم الابتدائي ومستشفى، وسوق مغطى، وحمام تركي, ومطعم للفقراء، وسبيل ماء للعطشى، ومحلات تدر موارد مالية للمسجد، وضريح السلطان أحمد طبعا, هذا كله وسط حديقة غناء تملأ أرضها الخُضرة التي تزينها الورود الملونة وتظللها الأشجار الوارفة.

وكصورة عامة للمسجد نجد أنه يتألف من 6 مآذن تناطح السحاب ليكون مع المسجد المركزي أو ما يعرف بـ Sabancı Mosque في أضنة المسجدين الوحيدين في تركيا اللذين يحملان 6 مآذن، أربعة من هذه المآذن الستة تتوضع في زوايا المسجد والاثنتين الأُخريتين نجدهما في نهاية فنائه، ولكل مأذنة ثلاثة شرفات ولها درج حلزوني كان يصعد إليه المؤذن خمس مرات في اليوم للإعلان عن وقت الصلاة، أما اليوم فيتم استعمال مكبرات الصوت التي يصل صداها حتى الأحياء القديمة في المدينة.

ويتكون الصحن من فناء كبير مغطى بثلاثين قبة ويتوسطه ميضأة سداسية محمولة على ستة أعمدة منقوشة بالقرنفل والتوليب النافر تارة و بالزخارف الاسلامية تارة أخرى في تناغم وتناسق فريد، أما المصلى فهو مستطيل الشكل طوله 72 مترا وعرضه 64 مترا يتّسع حتى 10.000 مصلٍ, تتوسطه قبة رئيسية كبيرة قطرها 23.5 مترا وارتفاعها 43 مترا ترتكز على أربعة دعائم أسطوانية قطر الواحدة منها 5 أمتار منقوشة بالزخارف بمهارة لا توصف, ويحف القبة الرئيسية ثمان قبب ثانوية .

ويُنار القسم الداخلي من المسجد بـ260 نافذة ذات زجاج ملون قُدّمت كهدية للسلطان أحمد من البندقية, كما ينار أيضا بالعديد من الثريات القيّمة المطلية بالذهب والأحجار الكريمة وكرات الكريستال. وما جعله يعرف شعبيا باسم المسجد الأزرق هو اكتساء جدرانه الداخلية بأكثر من 20.000 قطعة بلاط وسيراميك منقوشة يدويا باللون الأزرق, استُقدمت جميعها من مدينة إيزنيك (نيقية اليوم) في أكثر من خمسين تصميما يحمل تمثيلات متباينة من الزهور والفاكهة وأشجار السرو.

كما تشمل التصميمات آيات مزخرفة من القرآن الكريم أغلبها قدّمت من السيد قاسم جوبري الذي كان يعتبر أكبر خطاط في ذلك الوقت، أما عن أرضية المسجد فهي مغطاة بالسجاد الفاخر والذي يتم التبرع به من قبل المؤمنين بشكل دوري، ويعتبر المحراب أهم عنصر في المسجد فهو مصنوع من الرخام المنحوت بعناية ودقة
أهم الأماكن السياحية في منطقة السلطان أحمد
ومن أهم الأماكن السياحية بمنطقة السلطان أحمد في إسطنبول، “قصر توب كابي” ، أو الباب العالي، وكان مركز الحكم في الدولة العثمانية من عام 1465م – 1853م، واستخدم القصر كمركز إداري للدولة العثمانية على مدار 400 عاما من تاريخها الممتد 600 عاما، فهو القصر الذي يعيش فيه السلاطين العثمانيون. وكان يقيم فيه عبر العصور ما يقرب من 4,000 شخصا.

افتتح قصر توب كابي للزيارة بوصفه متحفا في 19 أكتوبر عام 1924 م، أما الأقسام التي تم فتحها للزيارة فهي: القبب الستة، غرفة العرض، قصر المجيدية، غرفة حكيم باشا، قصر مصطفى باشا، قصر بغداد، فقصر توب كابي جذب إليه أفواجا سياحية عظيمة وجاء على رأس الآثار التاريخية التي تضمن نصف تاريخ إسطنبول، بالإضافة إلى أن اليونسكو أدرجته على قائمة الآثار العالمية وحاليا القصر مفتوح كمتحف.
ومن الأماكن السياحية أيضا صهريج يره بطان، الذي بني في القرن السادس الميلادي, يقع على بعد 150 مترا جنوب غرب آيا صوفيا بمنطقة السلطان أحمد، وهو ممتلئ بالماء و الأسماك،  ويوجد مطعم فاخر داخل الصهريج يقدم أشهى المأكولات البحرية، وتعتبر آيا صوفيا من أشهر الأماكن السياحية، وهي كاتدرائية سابقة ومسجد سابق وحاليا متحف يقع في مدينة إسطنبول، ويعد من أبرز الأمثلة على العمارة البيزنطية والزخرفة العثمانية.ويعتبر السوق المغلق والسوق المصري، من أهم الأسواق الأثرية والسياحية في المنطقة، فالسوق المغلق هو أكبر وأقدم سوق شعبي في إسطنبول، وأكثر المعالم السياحية جذبا للسياح، ويقع في منطقة بيازيت وأمام محطة الترماي مباشرة ويتوافد إليه يوميا آلاف الزوار وعمره أكثر من 550 عاما.

 يوجد السوق المصري في إسطنبول مقابل ميناء إمينونو، ويحتوي على أكثر من 85 دكانا، وللتسوق فيه متعة عبر التجول بين حارات وشوارع السوق المصري، وله جاذبية من نوع خاص، فالبضائع معروضة بشكل مميز وجذاب، والباعة يتفننون في الإعلان عن بضائعهم كل بطريقته الخاصة، أغلب البضائع من التوابل والحبوب والمكسرات كما توجد أيضا بضائع أخرى في جوانب أخرى من السوق.
س5

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *